أسامة داود يكتب: بدل تكريمهم.. مطاردة مستصلحى المغرة بالمطالبات والغرامات

أسامة داود يكتب: بدل تكريمهم.. مطاردة مستصلحى المغرة بالمطالبات والغرامات

كيف تحوّلت معركة تعمير الصحراء إلى كابوس من الرسوم والمطالبات والإتاوات؟

ليست الكهرباء وحدها من دخلت ساحة الجباية عبر محاضر  وهمية وعدادات كودية.

فعلى ما يبدو أن بعض الوزارات والهيئات الحكومية باتت تتعامل مع المواطن باعتباره حصالة مفتوحة، تُفرض عليها الرسوم أينما اتجهت، حتى لو كان هذا المواطن يخوض واحدة من أشرف المعارك الوطنية.. معركة تعمير الصحراء وحماية الأمن الغذائى لمصر.

القصة هنا ليست عن رجال أعمال كبار يلهثون خلف الأرباح، بل عن رجال أفاضل، بعضهم ضباط سابقون، وبعضهم موظفون خرجوا للمعاش، ومواطنون بسطاء جمعوا تحويشة العمر، وباعوا ممتلكاتهم وحُلى زوجاتهم، وقرروا أن يذهبوا إلى قلب الصحراء استجابة لنداء الوطن ومشروع المليون ونصف المليون فدان.. الذى تبناه الرئيس عبد الفتاح السيسي بينما تحاول بعض الجهات اجهاضه.


بالنسبة للحكومات التى تفهم معنى الأمن القومى، يُعامل من يزرعون الصحراء باعتبارهم جنودًا فى معركة البقاء.. أما عندنا، فيبدو أن بعض الجهات قررت أن تعاملهم باعتبارهم دفاتر تحصيل متنقلة.

لم يعد المواطن فى نظر بعض المؤسسات إنسانًا يُكافأ لأنه خاطر بماله وعمره من أجل وطنه، بل رقمًا فى خانة الإيرادات، كلما تحرك ظهرت له فاتورة، وكلما حاول البناء وجد من يمد يده إلى جيبه.

هذه المرة، الضحية ليس تاجرًا مخالفًا، ولا مستوردًا يحتكر السلع، ولا مليارديرًا يهرب أمواله للخارج.. الضحية هنا رجال حملوا ما تبقى من أعمارهم فوق أكتافهم، وقرروا أن يدخلوا إلى قلب الصحراء حيث لا ماء ولا ظل ولا حياة، ليصنعوا لمصر مستقبلًا خارج ذلك الشريط الضيق الذى نعيش فوقه.

ذهبوا إلى المغرة هناك.. حيث لا يُسمع إلا عواء الريح وهى تمشط ظهور الكثبان كأنها مناشير تشق جسد الصمت، وحيث تنقض الشمس على الرمال كجمرٍ مسكوب من السماء، يعيش رجال فى مواجهة يومية مع صحراء لا تمنح الحياة مجانًا، نهارها أفران من القيظ تشوى الوجوه والروح، وليلها عزلة ثقيلة يتردد فيها صدى الوحدة كأن الإنسان آخر كائن حى فوق الأرض، بينما تتحرك الرمال كبحر هائج لا يهدأ، فلا ظل هناك إلا ظل الإرادة، ولا ماء إلا ما يُنتزع انتزاعًا من أعماقٍ مالحة، ولا حياة إلا تلك التى يصنعها رجال قرروا أن ينتزعوا الخضرة من بين أنياب القسوة والعطش والموت.. هناك، فعل هؤلاء ما عجزت عنه مؤسسات كاملة.

حفروا الآبار على نفقتهم الخاصة، وأقاموا شبكات الطاقة الشمسية بأموالهم الخاصة، ومدوا شبكات الرى من جيوبهم الخاصة.

استخرجوا مياهًا جوفية تصل درجة ملوحتها أحيانًا إلى ما يقرب من ملوحة البحر، ثم قاموا بمعالجتها كى تصبح صالحة لرى الزيتون والنخيل والمحاصيل.

لم ينتظروا دعماً من أحد.. لم يحصلوا على ترعة من الدولة كما اوصى سابقا مركز بحوث الصحراء .. ولم تمد لهم الحكومة خط مياه عذبة.. لم يحصلوا على دعم من أي نوع  فى البنية الأساسية.. حتى الطريق الذى تم رصفة تم خضوعة لتحصيل رسوم من كل سيارة تدخل.

ومع ذلك، تحملوا ما لا يتحمله إلا من قرر أن يحول الصحراء إلى وطن جديد.

لكن الصدمة الكبرى لم تأتِ من الطبيعة.. بل جاءت من بعض الجهات الحكومية التى قررت أن تكافئ هؤلاء بالمطالبات المالية والفواتير والغرامات!

فبعد سنوات من المعاناة، فوجئ مزارعو المغرة بمطالبات من وزارة الرى،  بمئات الآلاف من الجنيهات تحت مسمى مقابل استهلاك مياه جوفية، رغم أنهم هم من حفروا الآبار واستخرجوا المياه المالحة على نفقتهم الخاصة.

بل إن بعضهم فوجئ بمحاسبته بأثر رجعى عن سنوات سابقة قبل تركيب العدادات، وبتقديرات جزافية لا تستند إلى استهلاك فعلى.

وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة.. هل تحولت المياه الجوفية المالحة التى يستخرجها المواطن من أرضه وعلى نفقته الخاصة إلى سلعة تُباع له من جديد؟

وهل المطلوب من المواطن أن يدفع ثمن المياه، وثمن استخراجها، وثمن معالجتها، وثمن نقلها.. ثم يُطالب بعد ذلك برسوم إضافية وكأنه يحصل على خدمة مدعومة من الدولة؟

الأخطر أن هذه القرارات لا تهدد أفرادًا فقط، بل تهدد فكرة تعمير الصحراء نفسها.

فمن الذى سيغامر غدًا ببيع ممتلكاته والذهاب إلى قلب الصحراء، إذا كان مصيره فى النهاية أن يتحول إلى مطارد بالفواتير والمطالبات؟

ومن الذى سيصدق دعوات الدولة لتعمير الصحراء، إذا كان من استجابوا لهذه الدعوات يُعاقبون بدلًا من تكريمهم؟

إن مستصلحى المغرة ليسوا مجرد مزارعين..هؤلاء أشبه بالمقاتلين على خطوط الدفاع الأولى عن الأمن  الغذائى لمصر الذى يمثل جزء هام من الامن القومى للدولة.

فى وقت تستورد فيه الدولة جانبًا كبيرًا من احتياجاتها الغذائية. بلغت من القمح وحده خلال الشهور الأربع الأولى من العام الحالي 2026 ما يصل الى 5,8 مليون طن بزيادة 70% عن صادراتنا من القمح عن نفس الفترة من العام الماضى..  وفى وقت تتحدث فيه كل دول العالم عن مخاطر الغذاء والمياه والتغيرات المناخية، يخرج رجال إلى قلب الصحراء ليزرعوا القمح وتفتخر الدولة بما تحقق في المغرة بسواعد هؤلاء الرجال وعرقهم الذى زرع الأرض وبأموالهم الخاصة.. ثم يجدون أنفسهم فى مواجهة قرارات قد تدفعهم لترك الأرض والعودة من حيث أتوا.

إن ما يحدث الآن من وزارة الرى مع مزارعى المغرة، لا يمكن اعتباره مجرد تحصيل مستحقات.. بل هو خطر حقيقى على مشروع قومى كامل، وعلى حلم طالما تحدثت عنه الدولة باعتباره باب المستقبل.

فهل أصبحت معركة تعمير الصحراء تُدار بعقلية الجباية لا بعقلية الأمن القومى؟

وهل يدرك من يصدرون هذه القرارات أنهم قد يتحولون - دون أن يشعروا - إلى معاول لهدم مشروع المليون ونصف المليون فدان نفسه؟

وللحديث بقية